علي بن أحمد المهائمي
146
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
حكم ما به يمتاز كل واحد من العالم والمعلوم عن الآخر . ولما أوهم هذا النوع مصادرة على المطلوب ، نية بأنه بعد معنوي ، فيوجب الجهل ؛ لأن البعد حيث كان أي : سواء كان في الأمور الحسية أو المعنوية مانع من كمال إدراك البعيد ؛ إذ لا يعرف معه جميع عوارضه من الكيفيات والمقادير . هذا في البعد الحسي ظاهر ، وأما في المعنوي ، فبطريق القياس المسمى بالتمثيل في الظاهر وبطريق التحقيق في الحقيقة ، أن البعد المعنوي موجب لعدم حصول أمثال المعلوم للعالم على الكمال ، كما أن البعد الحسي مانع من تمثيل المرئي في حاسة الرائي على الكمال ، وإذا علم أن البعد سبب الجهل ، فالقرب سبب العلم . ولما كانا أمرين إضافيين غير متحدين بل مختلفين اختلافا غير منضبط ، فلهما درجات تفاوت درجات العلم بالشيء والجهل به من حيث الإحاطة بمقدار تفاوت غلبة حكم ما به يتحد العالم بالمعلوم . وسمي رضي اللّه عنه حكم ما به الاتحاد بالقرب الحقيقي ؛ لأن القرب في المسافة والزمان والصفات قرب بالواسطة ، وهنا لا واسطة وإذا كان قربا حقيقيّا ، كان رافعا للفصل ، أي الفرق والمباينة الذي هو البعد الحقيقي أعم من الحسي والمعنوي ، والبعد الحقيقي هو المشار إليه بأحكام ما به المباينة والامتياز ، وقد أوهم كلامه الأول اختصاصه بالمعنوي ، لكن ذلك الوهم مرتفع بأنه رضي اللّه عنه قصد أولا ، أن البعد المعنوي مانع من كمال الإدراك بالقياس على الحسي ، ثم بيّن بالدليل على أن البعد حسيّا أو معنويّا ، مانع فسمي جميع أحكام المباينة والامتياز بالبعد الحقيقي ، بمعنى أن فيه حقيقة البعد ، فافهم . قال رضي اللّه عنه : [ وإذا شهدت هذا الأمر وذقته بكشف محقق علمت أن سبب كمال علم الحق بالأشياء إنما هو من أجل استجلائه إياها في نفسه ، واستهلاك كثرتها وغيريتها في وحدته ، فإن كينونية كل شيء في أي شيء كان ، سواء كان المحل صوريّا أو معنويّا ، إنما يكون ويظهر بحسب ما تعين وظهر فيه ، ولهذا نقول : الحق علم نفسه بنفسه ، وعلم الأشياء في نفسه بعين علمه بنفسه ] . أي : إذا شهدت بالبصيرة الباطنة المفيدة للوجدان الذي هو ذوق ، بكشف محقق الذي يجعله بديهيّا أن أعلى درجات العلم للشيء بالنسبة إلى كل عالم ، إنما هو بالاتحاد بالمعلوم .